نهجنا التربوي
النهج التربوي
رهبنة قلبي يسوع ومريم الأقدسين
ترقية كل إنسان «
« وكل الإنسان
تـوطـئـة
إن النهج التربوي الخاصّ برهبانية قلبي يسوع ومريم الأقدسين، الذي نورده هنا في صيغتة الموجزة، مرفقاً بأهمّ المراجع التي استوحى منها، والتوجيهات الأساسية التي يُبنى عليها، ما هو إلا خلاصةٌ مركّزة لِما وُلد، فـي حدس المؤسّسين منـذ البدايـات، وبلورة واقعية عبر التاريخ لـهذا الحدس، من خلال تقليد خاص بالرهبانية، يستلهم الروحانية الإغناطية.
يعرض هذا النهج الخطوط الأساسية التي تقوم عليها فلسفة الرهبانية التربوية. ولكي يصبح عملياً ، فلا بدّ ان يُكمله نـهج المؤسسة الذي يجب ان يتكيَّف مع خصوصيات المكان والزمان التي يُمارَس فيها ، وان يُحدِّد الطرائق التربوية التي يريد أن يستخدمها.
إن رهبانية قلبي يسوع ومريم الأقدسين، التي أُسِّست منذ البدء لخدمة الإيمان المسيحي وترقية المـرأة الشرقية، والتي إتَّخذت من المدرسة الأداة الفضلى لتحقيق الـهدف، راحت تعي تدريجياً أن دعوتـها في الكنيسة وفي العالم هي ان تكونَ في خدمة الجميـع دونما تمييز بين جنسيّة وجنسية أو دين وديـن، وتدفعهم بشتى الوسائل الى تحقيق ملء دعوتـهم الإنسانية.
إن الروحانية الإغناطية التي تعتنقها الرهبانية تصبو إلى هدفين أساسيين: تمجيد الله وخلاص النفوس، وهي تعلّم طريقة ديناميّة ومسؤولة في اتخاذ المواقف ان في الكنيسة او في العالم. تنبع هذه الروحانية من رؤية لاهوتية ناتجة عن التأمل في مخطّط الله للكون، كما اعلنه يسوع المسيح وكما تواصله الكنيسة وتعلّمنـا إياه . وفي النـهج التربوي لـهذه الروحانية ، تدريب الانسان على ان يكون صانع مستقبله ومشارك الآخرين في صنع التاريخ. هذه الطريقة التربوية تدعو الشخص الى ان يتخطّى نفسه، باحثاً عـن « مزيد » نوعي في جميع المجالات، وآخذاً على عاتقه تدريجياً ما يهدف الى نموّه التام. وقد نوّعت الرهبانية رسالتها عبر التاريخ في ضوء قراءة علامات الأزمنة وتكيَّفت مع حاجات البشر. وما زالت حتى يومنا هذا تتعمّق في خصائص كل ثقافة تتأصّل فيها ، لتفتحها على الأبعاد الروحية والإلـهية، كما تسلّمتها من ربّها ومعلّمها. وهي، بسيرها في خطى المسيح الذي أخذ على عاتقه كل ما في الانسان، تتبنَّى التطلّعات البشرية لتعرفها من الداخل وتحملها الى درجة الكمال في ذلك الذي هو كمالـها: يسوع المسيـح الانسان الكامل وملء صورة الله .
ان النهج التربوي في رهبانية قلبي يسوع ومريم الأقدسين في مختلف تأصلها الجغرافي وتعدّد الثقافات عند الفئات المدرسية التي تؤم مؤسّساتـها، هو، وفقاً لما يوحيه الإنجيل، وما تعلمه الكنيسة وما جاء في تقليدها الخاص، ترقية كلِّ انسان وكلِّ الإنسان. كلِّ انسان ، دونما تمييز بين عِرق وعِرق ، ودين ودين، وطبقة اجتماعية وطبقة أخرى، وكلِّ الانسان ، في أبعاده الشخصية والاجتماعية والثقافية والروحية.
أهدافنا
ولاً: تكوين الشخص الحرّ,أ
القادر على التصرّف بدافع اختياراته الشخصية، وبما يمليه عليه وعيه لواجباته، غير المتأثر بأي ضغط او إكراه، والقادر، في ضوء الحقيقة، على ان يبدي رأْياً شخصياً في شتى الأمور، وعلى ان يعمل بـروح المسؤولية ويصبو الى كل ما هو حق وعدل، والقادر على التعامل مع الآخرين ضمن حدود السلوك الأدبّي والخضوع للسلطة الشرعية التي تسعى لتحقيق الحرية الحقيقية.
نريد ان نقوم بذلك
بمساعدة الأولاد على تنمية مواهبهم الطبيعية والأخلاقية والعقلية بوجه متكامل، مع مراعاة تقدُّم العلوم النفسية والأساليب التربوية والتعليمية، وعلى تحصيلـهم تدريجياً شعوراً متنامياً بمسؤولياتـهم بالسعي المتواصل لتسيير حياتهم في الطريق المستقيم، والفوز بالحرية الحقيقية، مذلّلين جميع العقبات بشجاعة وسخاء.
سنعتمد الوسائل التالية
أوسع معرفة ممكنة وأعمقَها للجسد البشري عن طريق العلوم الأحيائية، والتدرب على حفظه باتّباع نمط غذائي صحّي ووتيرة متوازنة بين العمل والراحة، واحترام نموّه، ومعاملته بلياقة في معظم الأوقات والحالات.
معرفة القلب البشري خير معرفة ، استناداً الى علم النفس والعلوم الإنسانية، لكشف ما في حناياه من ميول دفينة ، والاطلاع على ما يتصارع فيه من قوى الخير وإغراءات الشّر ، بغية الوصول الى البصيرة، والى التمييز قبل اتخاذ القرارات. ومعرفة الفكر البشري، عن طريق تنمية ذكائه والبحث العميق عن الحكمة التي تتخطّى معرفة الظواهر البحتة لتبحث بحب عن الحق والخير.
،ثانياً: تكوين المواطن المسؤول
الذي يُحسن العيش في المجتمع، ويملك القدرة على الإنخراط الفعّال في مختلف الفئات التي تؤلّف الجماعة البشرية والحوار مع الآخرين وتقديم مساهمته الطوعية لتحقيق الخير العام.
نريد أن نقوم بذلك
بدعوة كل واحد الى ان يكون متضامناً مع مواطنيه ومعاصرية في أفراحهم وآمالـهم، في احزانـهم وقلقهم، متضامناً مع الجنس البشري وتاريخه، ومحترماً الشعب الذي ينتمي اليه والأسرة البشرية كافةً، ومتحاوراً مع جميع الناس حول مختلف القضايا، بكل احترام وحب وبروح أخوية، هادفاً إلى البحث النـزيه عن الحقيقة وعن السلام.
نتخذ لذلك الوسائل التالية
معرفة موضوعية كلُّ واحد لتاريخ بلاده ، ورصد القيم التي يتمسّك بـها الضمير الوطني وإرادة العيش المشترك
بحث مشترك ونزيه عن حلول عادلة لمشاكل المجتمع ، تُراعى فيها خصائص الجماعات التي تكوّن هذا المجتمع، ويُفضَّل فيها الخير العام على المصلحة الشخصية.
استعداد صادق للعيش بالتفاهم والسلام ، اذ يتعرّف كل فرد الى حقوقه وواجباته ويعترف بحق الآخر ، محترماً الفوارق التي تميّزه عن غيره
ثالثاً: تكوين المؤمن الملتزم، المدعوّ
الى تغيير العالم من الداخل كالخميرة في العجين، الى العمل على تطهير المؤسسات البشرية، وظروف الحياة لجعلها مطابقة لمقاييس العدالة، والى ترتيب الأمور الزمنية وتدبيرها بحسب مشيئة الله: العائلة والحياة الاجتماعية والمهنية، والاقتصاد والسياسة.
نريد ان نقوم بذلك
باقتراحنا على كل واحد أن يحمل في قلبه المؤمن جميع مشاغل الناس، وان يسلِّط ضوء الله على جميع المشاكل وان يضع في متناول الجنس البشري قوة الله الخلاصية.
نتخذ لذلك الوسائل التالية
الاطِّلاع على تعاليم الكنيسة الاجتماعية والالتزام الفعلي لدحض الشر في معظم أشكاله ومحاربة مختلف أنواع الإستعباد، على قدر الإمكان، الاجتماعي منه او السياسي، والمدافعة عن الحقوق الأساسية للشعوب في ظّل أي حكم سياسي كان. الالتزام في منظّمات خيرية ذات هدف إنساني، حيث يصبح كل إنسان قريباً لأخيه الإنسان، إقتناعاً منه ان ذروة الفرح تكمن في العطاء أكثر منه في الأخذ.
،تكوين المسيحيين
المدعوّين إلى اكتشاف فرح الإيمان بالله الآب، إلى تنمية الرغبة في معرفته بالعمق، وإنشاء علاقة حب به، والى التزام المشاركة الأخوية مع جميع المسيحيين ومع جميع ذوي الإرادة الحسنة.
نريد ان نقوم بذلك
بحمل الأولاد على أن ينموا في الإيـمان والرجاء والمحبة، وان يجدوا في الله تعالى النور الذي ينير عقولـهم، والحب الذي يُضرِمُ قلوبـهم. أن يبحثوا دائماً عن عمل الروح القدس في صميم حياتـهم وفي صميم واقع العالم المعقَّد، وأن يصبوا إلى المثال الأعلى، يسوع المسيح، ليقتدوا به ويتمرَّسوا على عيش رسالته الانجيلية.
نعتمد لذلك الوسائل التالية
تأمين تربية دينية كفيلة بأن تنير إيمان المسيحيّين وتشدّده، وذلك بالاعلان عن مخطط الله الثالوث، الآب الخالق والابن المخلّص والروح المقدّس. تأمين ممارسة الطقوس الدينية في الليترجية، والمشاركة الفرحة في الأسرار حيث يتّصل الله بكل انسان ويسبغ عليه عطاياه الروحية. وتأمين تنشئة على المحبة الفعَّالة التي تتجسّد بأفعالٍ تعبّر عن حب الله للإنسان الفقير والمريض والخاطئ.
فاعليّات النهج التربوي
تضمّ الجماعة التربوية كل الأشخاص الذين هم فاعليّات النهج التربوي، الذين، بالفعل وبالحق، يضعونه ويعيشونه ويتحمّلون أعباءه ويطبّقونه ويوجدونه ويستفيدون منه. فهم كفلاؤه والشاهدون على مضمونه.
رئيس المؤسَّسة
تقوم رسالته على ترويج النهج وتنشيط الجماعة التربوية التي تتحمّل أعباءه. وتقوم مهمّته على تنسيق سير المؤسَّسة التربوية وتوزيع المهامّ على أعضاء الفريق التربوي وإدارتـها بأسلوب متّزن ، مع توخّي الإنصاف بين مختلف المشاركين في العمل ، والتفاهم مع أولياء التلاميذ.
الكوادر
إن منسّقي المراحل او الصفوف او المواد التعليمية والمستشارين التربويين هم شركاء مباشرون لرئيس المؤسسة، فيتحملون معه مسؤولية تجسيد النهج التربوي ويقومون بدور الوسطاء لتطبيق توجيهات المؤسسة على الصعيد التربوي والتأديـبـي وتأمين تنسيق العمل لدى المعلمين.
المعلّمون
يلتزم هؤلاء، من جرّاء عقد عملهم وانتدابـهم ورسالتهم، وضع النهج التربوي موضع التنفيذ، لا الاقتصار على التعليم فقط. فـهـم مسؤولون ، من خلال هذا النهج ، عن مجمل تصرفاتـهم التربوية . ولا تقف مهمّتهم عند مجرّد نقل العلم ، بل تشمل ترويض الولد على إتقان العمل وحسن السلوك . هذا ما يفرضه عليهم البُعد الخلقي وتُلزمهم به مواقف الحق والاستقامة تجاه الطفل .
سائر المعاونين
إن سائر المعاونين: المسؤولين عن العمل الرعوي (مدرِّسي التعليم المسيحي والمرشدين الروحيين) والموثقين والمسؤولين عن النظام والمناظرين والمكلَّفين بأمور الصحة وأمينات السرّ والمحاسبين والمساعدين الاجتماعيين، هم جزء لا يتجزأ من الجماعة التربوية، ويجب أن يُعتبروا، كل واحد ضمن حدود اختصاصه، محقِّقي مضمون النهج التربوي.
الأولياء
فضلاً عن ان الأولياء هم أوَّل الأشخاص الذين يعملون على تربية الولد، وأهمُّهم، بخلق الجوّ العائلي الملائم لتربية كاملة، سواء كان على الصعيد الشخصي أم على الصعيد الإجتماعي، فإنـهم يشاركون المدرسة التي اختاروها لأولادهم في مهمّتها التربوية هذه. فلا بدّ ان يكونوا على بيّنة واضحة من مضمون النهج وأن يعملوا على ديمومته هذا يعني أنـهم يعرفون مضمونه ويساهمون في تحقيقه ويطبّقونه في حياتـهم العائلية ويتشاورون مع المدرسة لاستمرارية التواصل مع الأهداف التي تصبو اليها المؤسسة التربوية.
الأولاد
إن الأولاد، بالاضافة إلى كونـهم مستفيدين من النهج التربوي، هم في الوقت نفسه المنفِّذون لمضمونه، لأنه لا يمكن ان يتحقَّق بمعزل عنهم او على حسابـهم. التداول معهم ضروري ومساهمتهم لا غنى عنها من اجل تطوّرهم الشامل ، سواء كان على الصعيد الجسدي أو على الصعيد الفكري والروحي . ان معرفة ملكاتـهم ونقائصهم ، وما هم عليه وما يسعون اليه ، لجدير بأن يخلق دينامية تربوية مسؤولة من الطرفين، وقائمة على علاقات نزيهة ، ملؤها العطف والتشجيع.
